فجر قادم
01-01-2012, 21:05
مرحبا بكم في قصتي الرابعة..
من دواعي سروري أن أرى تقيمكم لها ..
وأتمنى أن تاخذوا راحتكم في التعليق عليها ..
أنا... أم الآخرون؟
هاتفها الملقى أمامها يومض وينطفئ طوال الساعتين الماضيتين أخيراَ دنت يدها ...
من هو يا ترى؟
ولماذا لا تجيبه؟!
ستين مكالمة من نفس الشخص خلال ساعة ونصف ...أسندت رأسها الثقيل على كرسي القطار ذو الركاب القليلين العدد تناهى إلى سمعها الضجيج الأثيري الناتج عن احتكاك عجلات القطار بقضبانه..ألتفتت ببطء إلى النافذة الليل أسدل ستاره تترامى لها الصحراء بغموض تنفث معه روائح العروبة والشهامة لتترك فيها طابعا عميق الأثر... النجوم تتلألأ بشاعرية وكأنها تعكس الحزن الذي في قلبها .. ..الرمال الذهبية استحالت إلى بساط أسود يمتد إلى أطراف الدنيا ..التأمل ترك فيها طابعا من الطمأنينة والخشوع.
الكون... فسيحا في المساء وأضيق ما يكون في صدرها ..صدر ضاق بعواطف مضطرمة كالنافورة.
بالرغم من هدوئها الظاهري لها وللمكان... فجأة وجدت دموعها تهطل سريعة متتالية وكأنها وجدتها فرصة سانحة لا تتكرر من عينين تصلبتا وتجمدت فيهم الدموع مؤخرا.
.
هكذا التقيا كانت فاطمة دون العاشرة من عمرها وأجمل قسماتها عيناها السوداوات بأهدابهما الطويلة يشع منهما نور هادئ يضيء وجهها ذو البشرة الصافية النقية ..ابتسامتها الوديعة لا تفارقها والأجمل من هذا كله شخصيتها التي مزجت بين الطيبة والقوة مما أضفى عليها هالة كاسحة في غدوها ورواحها ...
كانت بكرا لم تعرف رجلا قبله هي من أسرة تتمتع بأسلوب محافظ معتدل فلم تتجاوز علاقتها به الرسائل البريئة التي ينقلها أخاها الصغير إليها من حين لآخر...هو ابن عمها انجذبت له لذكائه وثقته بنفسه الشيء الوحيد الذي لم يعجبها فيه شعره الذي يسترسل على كتفيه.
الساعة تشير إلى الثانية عشر ليلا جلست فاطمة على مكتبها تنظر إلى كتابها بذهن شارد وهي تحتسي كوب القهوة الرابع في تلك الليلة لتسبح بحر من البن الأسود لتقاوم إغراء الفراش وما ألذه إذا كان هربا من كابوس الامتحانات ...رمت كتابها ومدت يدها إلى كتاب آخر حركت أوراقه بحركة عشوائية لتظهر رسالته التي تقرأها الآن للمرة العشرين"حبيبتي..أوصيك بالمذاكرة والاجتهاد لتكون فرحتنا فرحتين في الشهر القادم نجاحك وخطوبتنا.. ابن عمك عصام" لكن ثمة عينان أخرتان أيضا تقرأن الرسالة لتأتيها من صاحبتهما لكزه شهقت على أثرها واستدارت غاضبة لترى علياء ابنة عمتها وهي تكتم ضحكتها قالت:
-سأخبر أمي "عمتها"
قطبت حاجبيها وردت بانفعال :
-تتجسسين علي من سمح لكي؟!
مالت برأسها ووضعت يدها على خصرها بزهو:
- أنا سمحت لنفسي ..إنسيتي أنني صديقة الطفولة
-أن أخبرتها سأذهب إلى منزلي ولن أبيت عندك مطلقا
-خالي "أبوها"سافر هو وزوجته وأختك الوحيدة تزوجت إلى من تذهبين
صمتت نكست رأسها وبدا بؤس الدنيا كله في وجهها وكأنها تكتشف لتوها أنها يتيمة الأم أدركت علياء في هذه اللحظة أنها نكأت جرحا غائرا لصديقتها فسارعت لتعانقها عناقا طويلا :
-أنا آسفة صدقيني كنت أمزح
قالت وهي تبعدها برفق:
- صدقتك
اليتم ربط فاطمة ببيت عمتها برباط متين فكانت علياء بمثابة أخت لها وعمتها بمثابة أمها التي لم تلدها ..الساعات التي يقضيها معهن أكثر بكثير من الساعات التي تقضيها في بيتها.. فاطمة وعلياء صداقتهما كشجرة كلما ازدادت السنون كلما امتدت جذورها وازدادت ثباتا وعمقا.
وهكذا مرت امتحانات الثانوية العامة بمرها أكثر من حلوها عادت علياء لتزف إلى أبيها البشرى بمعدلها العالي دلفت إلى الصالة فلم ترى أحدا فاتجهت إلى غرفتها فتحت الباب ليفتح وراءه فاهها وعيناها على أتساعهما ...لتفاجأ بوجود أختها تجلس القرفصاء على سريرها مع حقيبة ملا بسها تسألها :
-ما الذي حدث؟
-سننفصل!!
- لم يمضي على زواجكما عام؟
ردت بإصرار:
-الموضوع منتهي ولا رجعة فيه
صمتت وشردت ببصرها قليلا هي لا تعلم ما لسبب لكن الذي تعرفه بالضبط أن هذا سيقف حائلا كستار حديدي بينها وبين عصام ,فعصام هو شقيق لزوج عبير
جلست القرفصاء في السرير المقابل لعبير واستها بعدة كلمات أحجمت بعدها عن الحديث لتنتقل بعده إلى حديث باطني .. رثاء نفسها... أبعد أن كان كل شيء في متناول يدها والدنيا باسمة والقلب الصغير يفيض بحبه الآسر ..ينتهي كل شيء في لحظة لعينة.
بعد شهر تم الطلاق وأثمر عنه أن سماء العائلتين أصبحت ملبدة بغيوم الشقاق والنزاع ولكن عصام أمام هذه العواصف الهوجاء قرر إلا يرفع راية الاستسلام والهزيمة وفي يوم ألبسه العشق قوة مارد ,انتهى به المطاف أن يطرق باب أبيها في قلب العاصفة يطلبها فرده بجفاء وقسوة فرحل مخلفا وراءه اللوعة والحسرة .
ولم يتأخر الانفجار عن موعدة مع أبنته فجاء صوته يرعد:
وراسي يشم الهواء هذا الزواج لن يتم ..يكفينا طلاق أختك عبير.
فتحت فاطمة مفكرتها الوردية وهي تحس بوخز الشوك يدمي قلبها ..كتبت "يكفي ما جاءك بسببي فأنا أعفيك من عهدك لي يبدوا أن الأقدار وقفت في وجوهنا ولكن هذه هي الحياة يجب أن نعيشها "
أكتفت فاطمة بنظرات الاتهام الصامت لتلك التي تنام بوداعة فلم تتهمها كعدو ولم تعتب عليها كصديق فما أقسى أن تبتلع قصتك وتتجرع مرارة الأسى وحيدا.
ولم ييأس الفتى الطموح بل أزداد عنادا أمام الأبواب التي سدت في وجهه وراح يطلبها من أبيها بعد ستة شهور لعل الزمن داوى ما بالنفوس ولكن الرد جاءه أعنف من المرة السابقة والمشهد البشع لا يلبث أن يتكرر .
*********
كان مساء هادئا جلست فاطمة تقرأ أحد الروايات باندماج غير أنها ضاقت قليلا من مقاطعات أبيها المتكررة وكان آخرها :
-فاطمة جهزي القهوة...أقفلت الرواية ومضت إلى المطبخ ..ليعود ثانية وهي تسكب الماء الحار في الدلة... قال بحده على أثرها كاد الماء ينزلق من يدها ليحرقها... فاطمة بسرعة جهزي البخور....أدركت فاطمة أن هناك ضيوفا غير عاديين لكنها لم تكترث كثيرا وعاودت القراءة باهتمام شديد .
دخل عليها أبوها بعد أن غادر الضيوف وهي تعبث بأحد الأدراج تبحث فيه عن قلم لتدون فيه الكلمات الرومانسية التي استوقفتها طويلا... ناداها الأب وبلا مقدمات قائلا:
- خطبك اليوم من تتمناه أي فتاة ؟
قررت أن تعلن العصيان فقالت:
- إلا أنا
رد بجمود وبنظرة ثاقبة جعلتها تنسى ما نوت عليه :
-ولكني موافق وطلبت منهم أن يمهلونا أسبوعين
واستمر بترديد الكلمات التقليدية التي تعاد لكل فتاة في هذا العمر
-لن تجدي أفضل منه والزواج قسمة ونصيب.....
سكتت على مضض وعلى مرارة ....أبوها منذ أن عرفته لن يتغير..مطبوع على جيناته العناد والعصبية ولم يستطع أحد حتى الآن أن يغير جيناته والمطلوب منها أن تسمع وتنفذ. ...ولا أمل في اعتراضها ..أو هكذا أقنعت نفسها.
عبثا حاولت النوم في تلك الفترة فالأرق يراهن على أن لا يجد النوم سبيلا إلى عينيها انزلقت من السرير بأعصاب مرهقة ...فالتفكير بقصة الحب الطويلة التي انحسرت أمام التباعد الذي حل بالعائلتين أستنفذ كل طاقتها اتجهت إلى الستائر المسدلة فتحتها بعصبية ناشدة بعض الهواء لعله يخفف من الصداع المتواصل..جلست أمام النافذة سحبت هواء عميقا وهي تفكر بهدوء...الخيال الوجدان العواطف تريد والواقع يرفض...هي لا تستطيع أن تفعل شيئا لذا فليفعل أباها ما يشاء.... تبلدت مشاعرها وأحاسيسها في تلك اللحظة.. أخيرا أصيبت باللامبالاة ..كرد فعل طبيعي للجهاز العصبي كي يحمي نفسه وبالفعل أصبحت في الأيام التالية تنام بعمق وارتاحت من الصداع المتواصل.
ويوم عقد قرانها فرت دمعة من عينيها رغما عنها غبطها الجميع ظننا منهم أنها دموع الفرح!!
اختلت علياء بفاطمة في أحد الردهات الهادئة بعد انتهاء محاضرتهما لتفضي لها بسر وبنظرة مترددة وابتسامة خجولة قالت:
-أنا...أنا خطبت
بصوت متحمس والدهشة ترتسم على وجهها قالت:
-من؟؟
-عصام
وزعت نظراتها يمينا ويسارا ثم أدعت ابتسامة:
-مبروك
أتشقى أم تسعد بهذا الخبر؟!
وهل يحق لها أن تشقى؟!
وهي من تزوجت زواجا تحفه كل توقعات النجاح ...زوج محب...ومنصب...وعائلة لها مكانتها الاجتماعية.
عجلة الزمن واصلت مسيرها بالرغم من مطبات الحياة وتزوج عصام من علياء وعاشت فاطمة مع زوجها عشر سنوات حياة هادئة مستقرة لا يعكر صفوها إلا شيء واحد ..زوجها لا ينجب ولكنها كانت وكأنها على موعد مع ضربة أخرى.. فجأة.. توفي زوجها لتعود أرملة إلى بيت أبيها.
وسط معاناة الوحدة واليأس عاد إليها رجل أعمال ناجح والأهم من هذا كله لا زال يعشقها وفوق كل هذا .. حليق الشعر!!
ما أصعبه من خيار صديقة العمر أم حبيب الروح؟
زارتها علياء ذات يوم بوجه شاحب فساورتها الشكوك من هدف الزيارة ,أمسكت علياء بيد فاطمة والتقت العيون للحظات إلى أن لمعت عيناها عندها قالت:
- لن توافقي أ ليس كذلك؟
رصت على يديها وهي تقول:
- الله يحب جبر الخواطر
أبعد طول التمني ...يلقي لها القدر بأمنيتها... وتلفظها بكامل أرادتها!!
وأوغل القطار في طريقه أكثر فأكثر وانطفأ معه نور هاتفها أخيرا فعادت إلى نفسها تسألها عن تلك الحال الغريبة التي ألمت بها فوجدت أن الذي كان يؤلمها أن الضمير يتأرجح بين القيم السامية والشهوات البهيمية. بين عوالم سماوية وعالم التراب بين سمو الروح أو انحطاط المادة ..أنه الصراع الأزلي.
تمت
من دواعي سروري أن أرى تقيمكم لها ..
وأتمنى أن تاخذوا راحتكم في التعليق عليها ..
أنا... أم الآخرون؟
هاتفها الملقى أمامها يومض وينطفئ طوال الساعتين الماضيتين أخيراَ دنت يدها ...
من هو يا ترى؟
ولماذا لا تجيبه؟!
ستين مكالمة من نفس الشخص خلال ساعة ونصف ...أسندت رأسها الثقيل على كرسي القطار ذو الركاب القليلين العدد تناهى إلى سمعها الضجيج الأثيري الناتج عن احتكاك عجلات القطار بقضبانه..ألتفتت ببطء إلى النافذة الليل أسدل ستاره تترامى لها الصحراء بغموض تنفث معه روائح العروبة والشهامة لتترك فيها طابعا عميق الأثر... النجوم تتلألأ بشاعرية وكأنها تعكس الحزن الذي في قلبها .. ..الرمال الذهبية استحالت إلى بساط أسود يمتد إلى أطراف الدنيا ..التأمل ترك فيها طابعا من الطمأنينة والخشوع.
الكون... فسيحا في المساء وأضيق ما يكون في صدرها ..صدر ضاق بعواطف مضطرمة كالنافورة.
بالرغم من هدوئها الظاهري لها وللمكان... فجأة وجدت دموعها تهطل سريعة متتالية وكأنها وجدتها فرصة سانحة لا تتكرر من عينين تصلبتا وتجمدت فيهم الدموع مؤخرا.
.
هكذا التقيا كانت فاطمة دون العاشرة من عمرها وأجمل قسماتها عيناها السوداوات بأهدابهما الطويلة يشع منهما نور هادئ يضيء وجهها ذو البشرة الصافية النقية ..ابتسامتها الوديعة لا تفارقها والأجمل من هذا كله شخصيتها التي مزجت بين الطيبة والقوة مما أضفى عليها هالة كاسحة في غدوها ورواحها ...
كانت بكرا لم تعرف رجلا قبله هي من أسرة تتمتع بأسلوب محافظ معتدل فلم تتجاوز علاقتها به الرسائل البريئة التي ينقلها أخاها الصغير إليها من حين لآخر...هو ابن عمها انجذبت له لذكائه وثقته بنفسه الشيء الوحيد الذي لم يعجبها فيه شعره الذي يسترسل على كتفيه.
الساعة تشير إلى الثانية عشر ليلا جلست فاطمة على مكتبها تنظر إلى كتابها بذهن شارد وهي تحتسي كوب القهوة الرابع في تلك الليلة لتسبح بحر من البن الأسود لتقاوم إغراء الفراش وما ألذه إذا كان هربا من كابوس الامتحانات ...رمت كتابها ومدت يدها إلى كتاب آخر حركت أوراقه بحركة عشوائية لتظهر رسالته التي تقرأها الآن للمرة العشرين"حبيبتي..أوصيك بالمذاكرة والاجتهاد لتكون فرحتنا فرحتين في الشهر القادم نجاحك وخطوبتنا.. ابن عمك عصام" لكن ثمة عينان أخرتان أيضا تقرأن الرسالة لتأتيها من صاحبتهما لكزه شهقت على أثرها واستدارت غاضبة لترى علياء ابنة عمتها وهي تكتم ضحكتها قالت:
-سأخبر أمي "عمتها"
قطبت حاجبيها وردت بانفعال :
-تتجسسين علي من سمح لكي؟!
مالت برأسها ووضعت يدها على خصرها بزهو:
- أنا سمحت لنفسي ..إنسيتي أنني صديقة الطفولة
-أن أخبرتها سأذهب إلى منزلي ولن أبيت عندك مطلقا
-خالي "أبوها"سافر هو وزوجته وأختك الوحيدة تزوجت إلى من تذهبين
صمتت نكست رأسها وبدا بؤس الدنيا كله في وجهها وكأنها تكتشف لتوها أنها يتيمة الأم أدركت علياء في هذه اللحظة أنها نكأت جرحا غائرا لصديقتها فسارعت لتعانقها عناقا طويلا :
-أنا آسفة صدقيني كنت أمزح
قالت وهي تبعدها برفق:
- صدقتك
اليتم ربط فاطمة ببيت عمتها برباط متين فكانت علياء بمثابة أخت لها وعمتها بمثابة أمها التي لم تلدها ..الساعات التي يقضيها معهن أكثر بكثير من الساعات التي تقضيها في بيتها.. فاطمة وعلياء صداقتهما كشجرة كلما ازدادت السنون كلما امتدت جذورها وازدادت ثباتا وعمقا.
وهكذا مرت امتحانات الثانوية العامة بمرها أكثر من حلوها عادت علياء لتزف إلى أبيها البشرى بمعدلها العالي دلفت إلى الصالة فلم ترى أحدا فاتجهت إلى غرفتها فتحت الباب ليفتح وراءه فاهها وعيناها على أتساعهما ...لتفاجأ بوجود أختها تجلس القرفصاء على سريرها مع حقيبة ملا بسها تسألها :
-ما الذي حدث؟
-سننفصل!!
- لم يمضي على زواجكما عام؟
ردت بإصرار:
-الموضوع منتهي ولا رجعة فيه
صمتت وشردت ببصرها قليلا هي لا تعلم ما لسبب لكن الذي تعرفه بالضبط أن هذا سيقف حائلا كستار حديدي بينها وبين عصام ,فعصام هو شقيق لزوج عبير
جلست القرفصاء في السرير المقابل لعبير واستها بعدة كلمات أحجمت بعدها عن الحديث لتنتقل بعده إلى حديث باطني .. رثاء نفسها... أبعد أن كان كل شيء في متناول يدها والدنيا باسمة والقلب الصغير يفيض بحبه الآسر ..ينتهي كل شيء في لحظة لعينة.
بعد شهر تم الطلاق وأثمر عنه أن سماء العائلتين أصبحت ملبدة بغيوم الشقاق والنزاع ولكن عصام أمام هذه العواصف الهوجاء قرر إلا يرفع راية الاستسلام والهزيمة وفي يوم ألبسه العشق قوة مارد ,انتهى به المطاف أن يطرق باب أبيها في قلب العاصفة يطلبها فرده بجفاء وقسوة فرحل مخلفا وراءه اللوعة والحسرة .
ولم يتأخر الانفجار عن موعدة مع أبنته فجاء صوته يرعد:
وراسي يشم الهواء هذا الزواج لن يتم ..يكفينا طلاق أختك عبير.
فتحت فاطمة مفكرتها الوردية وهي تحس بوخز الشوك يدمي قلبها ..كتبت "يكفي ما جاءك بسببي فأنا أعفيك من عهدك لي يبدوا أن الأقدار وقفت في وجوهنا ولكن هذه هي الحياة يجب أن نعيشها "
أكتفت فاطمة بنظرات الاتهام الصامت لتلك التي تنام بوداعة فلم تتهمها كعدو ولم تعتب عليها كصديق فما أقسى أن تبتلع قصتك وتتجرع مرارة الأسى وحيدا.
ولم ييأس الفتى الطموح بل أزداد عنادا أمام الأبواب التي سدت في وجهه وراح يطلبها من أبيها بعد ستة شهور لعل الزمن داوى ما بالنفوس ولكن الرد جاءه أعنف من المرة السابقة والمشهد البشع لا يلبث أن يتكرر .
*********
كان مساء هادئا جلست فاطمة تقرأ أحد الروايات باندماج غير أنها ضاقت قليلا من مقاطعات أبيها المتكررة وكان آخرها :
-فاطمة جهزي القهوة...أقفلت الرواية ومضت إلى المطبخ ..ليعود ثانية وهي تسكب الماء الحار في الدلة... قال بحده على أثرها كاد الماء ينزلق من يدها ليحرقها... فاطمة بسرعة جهزي البخور....أدركت فاطمة أن هناك ضيوفا غير عاديين لكنها لم تكترث كثيرا وعاودت القراءة باهتمام شديد .
دخل عليها أبوها بعد أن غادر الضيوف وهي تعبث بأحد الأدراج تبحث فيه عن قلم لتدون فيه الكلمات الرومانسية التي استوقفتها طويلا... ناداها الأب وبلا مقدمات قائلا:
- خطبك اليوم من تتمناه أي فتاة ؟
قررت أن تعلن العصيان فقالت:
- إلا أنا
رد بجمود وبنظرة ثاقبة جعلتها تنسى ما نوت عليه :
-ولكني موافق وطلبت منهم أن يمهلونا أسبوعين
واستمر بترديد الكلمات التقليدية التي تعاد لكل فتاة في هذا العمر
-لن تجدي أفضل منه والزواج قسمة ونصيب.....
سكتت على مضض وعلى مرارة ....أبوها منذ أن عرفته لن يتغير..مطبوع على جيناته العناد والعصبية ولم يستطع أحد حتى الآن أن يغير جيناته والمطلوب منها أن تسمع وتنفذ. ...ولا أمل في اعتراضها ..أو هكذا أقنعت نفسها.
عبثا حاولت النوم في تلك الفترة فالأرق يراهن على أن لا يجد النوم سبيلا إلى عينيها انزلقت من السرير بأعصاب مرهقة ...فالتفكير بقصة الحب الطويلة التي انحسرت أمام التباعد الذي حل بالعائلتين أستنفذ كل طاقتها اتجهت إلى الستائر المسدلة فتحتها بعصبية ناشدة بعض الهواء لعله يخفف من الصداع المتواصل..جلست أمام النافذة سحبت هواء عميقا وهي تفكر بهدوء...الخيال الوجدان العواطف تريد والواقع يرفض...هي لا تستطيع أن تفعل شيئا لذا فليفعل أباها ما يشاء.... تبلدت مشاعرها وأحاسيسها في تلك اللحظة.. أخيرا أصيبت باللامبالاة ..كرد فعل طبيعي للجهاز العصبي كي يحمي نفسه وبالفعل أصبحت في الأيام التالية تنام بعمق وارتاحت من الصداع المتواصل.
ويوم عقد قرانها فرت دمعة من عينيها رغما عنها غبطها الجميع ظننا منهم أنها دموع الفرح!!
اختلت علياء بفاطمة في أحد الردهات الهادئة بعد انتهاء محاضرتهما لتفضي لها بسر وبنظرة مترددة وابتسامة خجولة قالت:
-أنا...أنا خطبت
بصوت متحمس والدهشة ترتسم على وجهها قالت:
-من؟؟
-عصام
وزعت نظراتها يمينا ويسارا ثم أدعت ابتسامة:
-مبروك
أتشقى أم تسعد بهذا الخبر؟!
وهل يحق لها أن تشقى؟!
وهي من تزوجت زواجا تحفه كل توقعات النجاح ...زوج محب...ومنصب...وعائلة لها مكانتها الاجتماعية.
عجلة الزمن واصلت مسيرها بالرغم من مطبات الحياة وتزوج عصام من علياء وعاشت فاطمة مع زوجها عشر سنوات حياة هادئة مستقرة لا يعكر صفوها إلا شيء واحد ..زوجها لا ينجب ولكنها كانت وكأنها على موعد مع ضربة أخرى.. فجأة.. توفي زوجها لتعود أرملة إلى بيت أبيها.
وسط معاناة الوحدة واليأس عاد إليها رجل أعمال ناجح والأهم من هذا كله لا زال يعشقها وفوق كل هذا .. حليق الشعر!!
ما أصعبه من خيار صديقة العمر أم حبيب الروح؟
زارتها علياء ذات يوم بوجه شاحب فساورتها الشكوك من هدف الزيارة ,أمسكت علياء بيد فاطمة والتقت العيون للحظات إلى أن لمعت عيناها عندها قالت:
- لن توافقي أ ليس كذلك؟
رصت على يديها وهي تقول:
- الله يحب جبر الخواطر
أبعد طول التمني ...يلقي لها القدر بأمنيتها... وتلفظها بكامل أرادتها!!
وأوغل القطار في طريقه أكثر فأكثر وانطفأ معه نور هاتفها أخيرا فعادت إلى نفسها تسألها عن تلك الحال الغريبة التي ألمت بها فوجدت أن الذي كان يؤلمها أن الضمير يتأرجح بين القيم السامية والشهوات البهيمية. بين عوالم سماوية وعالم التراب بين سمو الروح أو انحطاط المادة ..أنه الصراع الأزلي.
تمت